محمد كرد علي
230
خطط الشام
خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر والشام في القرن الثالث . فبمثل هذه الجيوش استقام أمر الفاطميين لأول عهدهم في مصر والشام ، فحكموا إلى الفرات ومكة والمدينة والقدس والخليل وصارت مصر والمغرب مملكة واحدة ، والخلفاء من بني العباس يحكمون من الفرات إلى بغداد وأعمالها إلى سائر المشرق ، ويخطب لكل خليفة منهما في الجهات التي تحت حكمه باسمه فقط ، ولما ضعف أمرهم أصبح يحكم دمشق حمال التراب ، ويحكم صورا الملاح ، وثلاثة من البدو يتقاسمون ملك الشام ، والعباسيون في الشرق والفاطميون في الجنوب لا يبدون ولا يعيدون ، وعندهم القواد والأجناد ، وللأحداث أي فتيان العامة في حلب ودمشق القول الفصل ، يرفعون ويضعون ، ويتحكمون ويعبثون بالناس وأموالهم ، ويا بؤس بلاد يكون القول الفصل فيها لفوضى العامة . كان حكام الشام يأتونها من الحجاز والعراق ، فأصبحوا يكتسحونها في هذه الأعصار من مصر والشمال ، وكان العمال والقواد عربا من بني أمية وبني هاشم ومن والاهم ، فصاروا مزيجا من العجم والتركمان ، وكلهم سواء في ارتكاب المظالم والمغارم ، متى قوي سلطان الجار يهاجم جاره ، فتطل دماء الأبرياء على غير طائل . ولم تستقر المملكة على حالة معينة بضع سنين فكانت العوامل الجنسية والمذهبية تتنازعها وأهلها ، وبعد أن كانت الشام في القرن الأول وثلث القرن الثاني مصدر الحياة العربية ، ومنبعث القوة الحربية ، أمست في القرون التالية ألعوبة أهواء الدخلاء ، وطعمة الطامعين من أهل البوادي ومن جرت عليهم أحكام الرقيق من العبيد والبرابرة ، وبعد أن كان للعصبيات فيها شأن في القرنين الأولين أصبحت في القرون الثلاثة التالية ضعيفة ضئيلة ، لا يتعدى تأثيرها المصالح الخاصة ، ولا يفكر القائمون بها في غير السلب والاعتداء . إن تسامح العباسيين بإدخال أهل غير عصبيتهم فيهم أدى إلى انتشار كلمتهم وتمزيق جامعتهم ، وما كل القواد والعمال كإبراهيم بن المهدي وجعفر بن يحيى وطاهر بن الحسين وعبد اللّه بن طاهر . ولا كل المتوثبين على الملك في عقلهم وسياستهم كأحمد بن طولون وسيف الدولة بن حمدان .